أحمد زكي صفوت

140

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله ، وحيطته « 1 » وإنصافه ، وعنايته وشفقته ، وبره وتوسعته ، فزايل مكروه أحد البابين باستشعار تكملة الباب الآخر ، ولزوم العمل به ، تلق إن شاء اللّه نجاحا وصلاحا وفلاحا ، واعلم أن القضاء من اللّه بالمكان الذي ليس به شيء من الأمور ، لأنه ميزان اللّه الذي يعتدل عليه الأحوال في الأرض ، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح الرعية ، وتأمن السبل ، وينتصف المظلوم ، ويأخذ الناس حقوقهم ، وتحسن المعيشة ، ويؤدّى حق الطاعة ، ويرزق اللّه العافية والسلامة ، ويقوم الدين ، وتجرى السنن والشرائع ، وعلى مجاريها يتنجز الحق والعدل في القضاء ، واشتد في أمر اللّه ، وتورع عن النّطف « 2 » ، وامض لإقامة الحدود وأقلل العجلة ، وابعد من الضجر والقلق ، واقنع بالقسم ، ولتسكن ريحك ، ويقر جدك وانتفع بتجربتك ، وانتبه في صمتك ، وأسدد « 3 » في منطقك ، وأنصف الخصم ، وقف عند الشّبهة ، وأبلغ في الحجة ، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة « 4 » ولا لوم لائم ، وتثبت وتأنّ وراقب ، وانظر وتدبر ، وتفكر واعتبر ، وتواضع لربك وارأف « 5 » بجميع الرعية ، وسلّط الحق على نفسك ، ولا تسرعن إلى سفك دم ( فإن الدماء من اللّه بمكان عظيم ) انتهاكا لها بغير حقها ، وانظر هذا الخراج الذي قد استقامت عليه الرعية ، وجعله اللّه للاسلام عزا ورفعة ، ولأهله سعة ومنعة ، ولعدوه وعدوهم كبتا « 6 » وغيظا ، ولأهل الكفر من معاديهم ذلا وصغارا ، فوزّعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه ، ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه ، ولا عن غنىّ لغناه ، ولا عن كاتب لك ، ولا أحد من خاصتك ، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ، ولا تكلّفن أمرا فيه شطط ، واحمل الناس كلهم على مرّ الحق ، فإن ذلك أجمع لألفتهم ،

--> ( 1 ) في المقدمة : « وعطيته » . ( 2 ) النطف : العيب والشر والفساد . ( 3 ) سد يسد كضرب : صار سديدا . ( 4 ) في المقدمة : « ولا محاملة » . ( 5 ) من باب كرم وقطع وطرب . ( 6 ) كبته : صرعه وأخزاه ؛ ورد العدو بغيظه وأذله .